عندما تتغير الذاكرة: ما تحتاج العائلات العربية إلى معرفته عن الخرف
24 سبتمبر 2026

في كثير من العائلات العربية، لا تكون العلامة الأولى للخرف درامية. فقد تكون أُمًّا تعيد سرد القصة ذاتها، أو أبًا يضل طريقه إلى المسجد، أو الكنيسة، أو السوق، أو جدًّا أو جدةً أصبحا متشككين، أو منعزلين، أو سريعي الغضب على غير عادتهما. وقد تمس هذه التغيرات الذاكرة، واللغة، والحكم على الأمور، والنوم، والحركة، والاستقلال في شؤون الحياة اليومية، قبل أن تجد العائلة الوصف المناسب لما يحدث بوقتٍ طويل. 

الخرف ليس مرضًا واحدًا، بل متلازمة سريرية تشمل تدهورًا في الذاكرة، أو التفكير، أو السلوك، أو القدرة على أداء المهام اليومية، بحيث يتجاوز هذا التدهور ما هو طبيعي في مرحلة الشيخوخة. وداء ألزهايمر هو السبب الأكثر شيوعًا للخَرَف، لكنه ليس الخَرَف نفسه. فهناك أنواع أخرى تؤدي إلى الخرف، مثل: الخرف الوعائي، وداء أجسام ليوي، وخرف باركنسون، والخرف الجبهي الصدغي، وكذلك الصور المختلطة منه. وكل هذه الأنواع تختلف عن بعضها في الأعراض والتأثير في حياة الشخص المصاب [1].

لهذا الأمر أهمية كبيرة، فلا يجب أبدًا اختصار مرض الخرف في "النسيان". فبعض الأشخاص يعانون بالفعل من مشكلات في الذاكرة كأول علامة. لكن آخرين يفقدون أولًا قدرتهم على الانتباه، أو التعبير، أو الحكم على الأمور، أو اللياقة الاجتماعية، أو انتظام النوم، أو القدرة على الحركة. فمثلا، قد يرى المصاب بخرف أجسام ليوي هلاوس بصرية واقعية، ويعاني من وعيٍ متذبذب. وقد يبدو المصاب بالخرف الجبهي الصدغي في البداية وكأن "شخصيته تغيرت". بينما قد يُصاب شخصٌ آخر بسلسلةٍ من السكتات الدماغية الصغيرة التي تؤدي بصمت إلى تآكل قدراته العقلية بمرور الوقت. ولو وصفنا كل هذه الحالات المختلفة بمجرد "فقدان الذاكرة"، فإننا بذلك نغفل عن فهم طبيعة المرض، بل ونغفل عن فهم الإنسان المصاب به.

حتى داء ألزهايمر ليس في الحقيقة مرضًا واحدًا. فقد بدأنا نفهمه على أنه مجموعة من الأنماط البيولوجية المتشابهة، وليس داءًا موحدًا. فيختلف المصابون به من حيث وقت ظهور الأعراض، وسرعة تطور المرض، والأعراض السائدة، والعوامل الوراثية، ودرجة الالتهاب، وتأثير الأوعية الدموية، وتداخل أكثر من اعتلال في الدماغ معًا. وهناك عاملان مهمان في ألزهايمر هما بروتينا "الأميلويد" و"تاو"، لكنهما لا يفسران كل شيء؛ فكثير من أدمغة المصابين تُظهر أيضًا إصابات في الأوعية الدموية أو تراكمات لبروتين آخر يسمى "ألفا-ساينوكلين". وهذا أحد الأسباب التي تجعل طرق العلاج ومسارات تطور المرض مختلفة جدًا من مريض إلى آخر [2].

وهنا يبدأ دورنا كعلماء. فنحن ندرس الأمراض التي قد تؤدي إلى الخرف من خلال فحص التغيرات الحيوية داخل الخلايا والأنسجة بدقة عالية جدًا. لأن ما يظهر في العيادة على شكل تشوّش ذهني أو اعتماد على الآخرين يبدأ عادةً قبل سنواتٍ طويلة على شكل سلسلة من الإصابات الصامتة على المستوى الجزيئي والخلوي. أما الرسالة العامة فهي بسيطة: التعرف على المرض مبكرًا مهم، والتشخيص الدقيق مهم كذلك. فحول العالم، ما يزال الكثير من المصابين بالخرف لا يحصلون أبدًا على تشخيص رسمي. لكن الأمور بدأت تتغير شيئًا فشيئًا، إذ يُضاف الآن إلى التقييم السريري المعتاد أدوات أخرى، مثل: تصوير الدماغ، وتحليل السائل النخاعي في حالات معينة، كما يتزايد استخدام الدلالات الحيوية في الدم التي قد تساعد في كشف التغيرات المرتبطة بمرض الزهايمر لدى المرضى الذين تظهر عليهم الأعراض، وخاصة في المراكز الطبية المتخصصة. هذه الفحوصات واعدة بالفعل، لكنها ليست حلًا سحريًّا. فالأدلة العلمية المتاحة حاليًّا لا تدعم استخدامها كأدوات فحص مستقلة لكبار السن الذين لا يعانون ضعفًا في الإدراك [3].

لهذا السبب، تعمل مجموعتي البحثية على تطوير أدوات قد تساعد يومًا ما في اكتشاف بعض الأمراض التي تؤدي إلى الخرف، وذلك قبل سنوات، بل أحيانًا قبل عقد كامل أو أكثر، بداية من ظهور الأعراض التقليدية المتعلقة بالحركة أو الذاكرة. والهدف ليس إخافة الناس، بل المساعدة في بناء مستقبلٍ يمكن فيه بدء الرعاية الوقائية للأعصاب، والمتابعة المستمرة، والعلاج، قبل أن يحدث الضرر الكبير في الدماغ.

بالنسبة للمجتمعات العربية، لم تعد هذه مشكلة بعيدة المنال. فقد قدّرت دراسة أُجريت عام 2023 عدد المصابين بالخَرَف في الدول العربية بنحو 1.32 مليون شخص عام 2021، بتكاليف سنوية إجمالية تتجاوز 10 مليارات دولار أمريكي [4]. صحيح أن التوقعات الدقيقة للعالم العربي لا تزال محدودة، لكن أقرب تقدير متاح لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يشير إلى أن المنطقة تشهد واحدة من أعلى نسب الارتفاع في العالم، حيث يُتوقع أن تزيد الحالات بنسبة 367% بحلول عام 2050 [5]. وهذا رقم يجب أن يسترعي انتباه كل وزارة صحة، وكل منظومة مستشفيات، وكل أسرة عربية. 

الوقاية تحتاج أيضًا إلى الصدق. فنحن يمكننا تقليل المخاطر، لكن لا يمكننا أن نعد بحماية كاملة. فكل من: التعليم الجيد، والعناية بالسمع، وضبط ضغط الدم، وإدارة السكري، وعلاج الاكتئاب، وتجنب التدخين، والبقاء نشيطًا بدنيًا، والحفاظ على صحة القلب والأوعية الدموية، والتفاعل الاجتماعي، ومعالجة مشكلات البصر والكوليسترول، كلها أمور مهمة [6]. كما تشير الأبحاث بشكل متزايد إلى أهمية النوم الجيد لحماية صحة الدماغ، وأنه قد يساعد في تقليل خطر التدهور المعرفي مع التقدم في العمر [7]. لا يعني أي من هذا أن الأشخاص الذين يُصابون بالخرف قد فشلوا بطريقة ما. فالعمر، والبيولوجيا، والجينات، والحظ، وعدم تكافؤ فرص الحصول على الرعاية الصحية، كلها عوامل تلعب دورًا. وتقليل المخاطر بالأساس يكون عبر منح الناس فرصًا أفضل.

في المجتمعات العربية، تُعد المسؤولية العائلة إحدى أعظم نقاط قوتنا. فالكثير من كبار السن يُعتَنى بهم في المنزل بحب عميق، وصبر، والتزام أخلاقي. وهذا أمر يستحق الاحترام. لكن الولاء للأسرة لا ينبغي أن يختلط بالصمت. حيث تشير دراسات من لبنان [8] والمملكة العربية السعودية [9] إلى أن المفاهيم الخاطئة عن الخرف ما تزال منتشرة، ومنها الاعتقاد الخاطئ بأن ألزهايمر ليس أكثر من مجرد شيخوخة طبيعية. وفي بعض المناطق، قد تتردد العائلات في التحدث بصراحة عن الخرف بسبب الخوف، أو الخجل، أو الرغبة في حماية سمعة من تحب [10]. لكن ثمن هذا الصمت هو تشخيصٌ متأخر، ومقدمو رعايةٍ منهكين، وأزمات يمكن تجنبها، ومعاناة لا داعي لها.

الاستجابة الإنسانية للخرف تبدأ بالكلمات وتنتهي بالأنظمة. فنحن نحتاج إلى وعيٍ عامٍ هادئٍ وصادق، وفرق رعايةٍ صحيةٍ أولية تعرف العلامات التحذيرية، واختبارات معرفية مناسبة ثقافيًّا وباللغة العربية، ودعم لمقدمي الرعاية، وأنظمة صحية تستطيع التفريق بين مسببات الخرف المختلفة. وفوق كل شيء، علينا أن نتذكر أن الشخص المصاب بالخرف لم يتوقف عن كونه إنسانًا. فيمكن للعلم أن يساعدنا على فهم المرض. لكن على المجتمع دائما أن يحفظ الكرامة.

وأخيرًا، الرسالة الجوهرية هي أن الخرف ليس مرضًا واحدًا، وليس جزءًا طبيعيًّا من الشيخوخة. وبالنسبة للمجتمعات العربية، فإن فهم الفرق بين داء ألزهايمر والأسباب الأخرى للخرف ضروري من أجل تعرفٍ أبكر، وتشخيص أدق، ودعم عائليّ أفضل، ورعاية أكثر إنسانية. العبء ثقيلٌ بالفعل في البلدان العربية، ويُتوقع أن يرتفع بشكل حاد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لذلك فإن الوصول إلى وعيٍ أفضل، وتشخيصٍ ملائمٍ ثقافيًا، ودعم مقدمي الرعاية، والرعاية القائمة على الكرامة لم يعد خيارًا؛ بل ضرورة ملحة.

المصادر:

[1] تُعرّف نشرة معلومات منظمة الصحة العالمية الخرف بأنه متلازمة وليس شيخوخة طبيعية، وتُشير إلى أن داء ألزهايمر هو أكثر الأسباب شيوعًا، وتعدد الخرف الوعائي، وخرف أجسام ليوي، والخرف الجبهي الصدغي من بين الأشكال الشائعة، وتؤكد أن الأعراض يمكن أن تشمل المزاج، والسلوك، واللغة، واتخاذ القرارات، والوظائف اليومية، وليس الذاكرة وحدها. كما تذكر أن 57 مليون شخص حول العالم كانوا يعيشون مع الخرف في عام 2021، بالإضافة إلى قرابة 10 ملايين حالة جديدة سنويًا.

[2] يُوصف داء ألزهايمر بشكل متزايد بأنه متنوع وليس متجانسًا. وتبرز المراجعات العلمية التباين في طريقة ظهوره وطبيعته، بينما يُظهر بحث حديث أن أمراض ألفا-ساينوكلين المصاحبة يمكنها أن تُسرّع تراكم تاو الناتج عن الأميلويد، مما يساعد في تفسير: لماذا قد يبدو "ألزهايمر" مختلفًا من مريض لآخر؟ كما تُشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الأنواع المختلطة غالبًا ما تتواجد معًا. 

[3] يصف التقرير الصادر عام 2021 عن الاتحاد الدولي لداء ألزهايمر، الممارسة الطبية الأفضل بأنها تجمع بين الاختبارات المعرفية والأشعة، وفحص الدلائل الحيوية في السائل الشوكي عند الحاجة، مع الإشارة إلى الاهتمام المتزايد بفحوصات الدم لتحسين التشخيص السببي. كما يدعم دليل إرشادي للممارسة السريرية صدر عام 2025 استخدام الدلائل الحيوية في الدم ضمن التقصي التشخيصي لحالات ألزهايمر المشتبه بها في إطار الرعاية المتخصصة، غير أن دراسة نُشرت في مجلة Nature Medicine  عام 2025 وجدت أن هذه الدلائل الحيوية ليست مناسبة بعد كأدوات فحصٍ قائمة بذاتها للبالغين الأكبر سنًا غير المصابين بضعف إدراكي في المجتمع. 

[4] أشارت تقديرات في العالم العربي صادرة في عام 2023 إلى أن عدد المصابين بالخرف في البلدان العربية بـلغ 1,329,729 شخصًا في عام 2021، كما تراوحت التكاليف الإجمالية لرعاية الخرف بين 10.43 مليار و13.90 مليار دولار. ووجد البحث نفسه أن أعلى معدلات انتشار بين البالغين فوق سن الستين كانت في لبنان، وتونس، والجزائر.

[5] ما تزال التقديرات الدقيقة على مستوى العالم العربي محدودة. وأقرب تقدير إقليمي وجدته كان لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تشير دراسات مستندة إلى بيانات العبء العالمي للأمراض أن حالات الخرف قد ترتفع بنسبة 367% بحلول عام 2050، لتصل إلى نحو 13.83 مليون حالة.

[6] توصلت لجنة لانسيت لعام 2024 إلى أن قرابة 45% من حالات الخرف يمكن الوقاية منها أو تأخيرها، وذلك عبر معالجة 14 عامل خطر قابلًا للتعديل على مدار الحياة، تشمل تلك العوامل: قلة التعليم، وفقدان السمع، وارتفاع الكوليسترول الضار (LDL)، والاكتئاب، وارتفاع ضغط الدم، والسكري، والتدخين، والخمول البدني، والعزلة الاجتماعية، وتلوث الهواء، وفقدان البصر غير المُعالَج.

[7] النوم ليس مُدرَجًا بعد بقوة في القوائم الرسمية للوقاية من الخرف كما هو الحال مع ارتفاع ضغط الدم أو فقدان السمع، لكن الأدلة تزداد قوة. فقد ربطت دراسة نُشرت عام 2021 في مجلة Nature Communications بين قصر مدة النوم في منتصف العمر وارتفاع خطر الإصابة بالخرف لاحقًا.

[8] وجدت دراسة استطلاعية شملت 502 شخصًا فوق سن الخامسة والستين في بيروت وجبل لبنان أن معدل انتشار الخرف قد بلغ 7.4% (نسبة عامة) و9.0% (نسبة معدلة معياريًا حسب العمر)، وهو من بين التقديرات الأعلى عالميًا. كان معظم المصابين بالخرف يتلقون الرعاية من أقاربهم في المنزل، بينما كان الوصول إلى الرعاية الرسمية محدودًا للغاية، مما يبرز الحاجة إلى إصلاح الرعاية الصحية والاجتماعية في لبنان وبشكل أوسع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

[9] بالنسبة للمملكة العربية السعودية، تشير الأدلة المتاحة إلى أن داء ألزهايمر هو نوع الخرف الأكثر شيوعًا. في حين أن تزايد عدد السكان المسنين يجعل تحسين الدراسات الوبائية والتشخيص المبكر واستراتيجيات الوقاية أمرًا ملحًا بشكل مطرد.

[10] يصف مقالٌ مرجعي نُشر عام 2025 عن الخرف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الرعاية العائلية بأنها النموذج السائد في المنطقة، والذي تشكله القيم الثقافية والدينية، وفي الوقت نفسه، يوثق الإجهاد الشديد الذي يعاني منه مقدمو الرعاية. يستشهد المقال ببيانات من مصر تُظهر عبئًا متوسطًا إلى شديد لدى 30% من مقدمي الرعاية العائلية، وقلقًا لدى 43% منهم، وبيانات من سلطنة عُمان تُظهر عبئًا مرتفعًا لدى 70% من مقدمي الرعاية. وبالمثل، وجدت دراسة استطلاعية في لبنان أن المصابين بالخرف كانوا يحظون بالرعاية بشكل رئيسي من أقاربهم في المنزل، وأن وصولهم إلى الرعاية الرسمية كان محدودًا للغاية. 

اقتراح ومراجعة علمية
د/ علي شعيب
جامعة جوتنغن
تدقيق ومراجعة لغوية
د/ علي شعيب
جامعة جوتنغن
د/ ندى أحمد
جامعة الإسكندرية
د/ أروى أحمد أبو جبل
جامعة أوكسفورد Oxford
علا نصر زيادة
جامعة القاهرة