حين يجتمع القدر والصدفة: رحلتنا مع الخرف بين الأسباب والتشخيص والوقاية
3 سبتمبر 2026

لم يكن والدي رجلًا ينسى، كان دقيقًا في مواعيده، حاضر الذهن في تفاصيل لا ينتبه إليها سواه. كان يحافظ على صحته ولم يكن يدخن أو يشرب أي مواد ضارة. ثم وقع حادث اصطدام بالسيارة بدا في حينه عابرًا، وكان عمره 68 عامًا، وتعافى جسده منه في أيام. لكن خلال ستة أشهر فقط، أخذ رجل آخر يحل محل الرجل الذي عرفته: يكرر السؤال نفسه، ويتوه في طرق سلكها آلاف المرات، ويبحث عن كلمات كانت طوع لسانه. كان قد بدأ رحلته مع الخرف. ولم يكن وحده في العائلة؛ فقد سبقته إلى المرض أمه، جدتي، قبل ذلك بأكثر من 22 عامًا. وخلال فترة عام ونصف فقد الكثير من قدراته العقلية. ومن سخريه القدر أن كل ما حدث لوالدي كان في وقت كنت أدرس فيه الدكتوراه بجامعة كوينزلاند بأستراليا، وكانت بعنوان "استخدام تصوير المخ لدراسة العلاقة بين إصابات الدماغ والإصابة بالخرف" وبالإنجليزية "Neuroimaging of traumatic brain injury and dementia: bridging the link"

قصة والدي ليست استثناءً، وفيها يكمن درس علمي بالغ الأهمية: الخرف نادرًا ما يكون له سبب واحد [1] .إنه في الغالب حصيلة لقاء بين كثير من العناصر، منها ما ورثناه، وما تعرضنا له، وما تراكم علينا عبر السنين. ومرض جدتي، وحادث والدي، يُمثلان وجهين من هذا اللقاء. وفي السطور التالية أحاول أن أشرح، بلغة مبسطة، ما الذي يرفع الخطر، وكيف تبدأ الأعراض، وكيف نشخص، وماذا نملك أن نفعل؟

ما الذي يرفع خطر الإصابة؟

هناك عوامل لا نملك تغييرها، وأخرى كثيرة بين أيدينا.

من العوامل التي لا نملك تغييرها، يأتي التقدم في العمر بوصفه الأكبر [1]؛ فالخطر يتضاعف تقريبًا كل بضع سنوات بعد الخامسة والستين. ويليه العامل الوراثي: فوجود إصابة لدى أحد الوالدين، كحال جدتي، يرفع الاحتمال، ومن أبرز المورثات المعروفة مُوَرِّث يُسمى APOE-ε4 [1–3]. غير أنّ من المهمّ أن نقول بوضوح: الجينات قابلية لا حكم نهائي. فكثيرًا ممن يحملون هذا الاستعداد لا يُصابون أبدًا، والوراثة تَفتح الباب لكنها لا تغلقه بمفردها. كما أن النساء أكثر إصابةً بألزهايمر من الرجال لأسباب لا تتعلق بطول العمر وحده.

ومن جهة ما نتعرض له، تأتي الأحداث الكبرى في حياتنا، وإصابات الرأس على وجه الخصوص، كتلك التي قد تنجم عن حوادث السيارات مثلًا، بوصفها أحد عوامل الخطر القابلة للتعديل. فالدماغ الذي يحمل أصلًا استعدادًا وراثيًا يكون أشبه ببناء تآكلت دعائمه ببطء في صمت؛ وقد تأتي صدمة واحدة لتسرع انهيارًا كان يتقدم خفية، أو لتكشف عن تدهور كان الدماغ يعوضه حتى تلك اللحظة [4–6]. وهذا ما يسميه الباحثون الاحتياطي المعرفي وهو قدرة الدماغ على تحمل الضرر حتى نقطة معينة، فإذا تجاوزها ظهرت الأعراض دفعة واحدة. لهذا قد يبدو الخرف وكأنّه بدأ بعد حادث، بينما كانت بذوره قد زُرعت قبل ذلك بسنوات.

أما العوامل القابلة للتعديل فهي الأهم، لأنها تمنحنا قدرة على الفعل. وقد حددت لجنة Lancet في تقريرها لعام 2024 أربعةَ عشر عاملًا يمتد على مراحل العمر[1]، وقدرت أن معالجتها قد تمنع أو تؤخر نحو 45٪ من الحالات. ففي مرحلة مبكرة من الحياة، تبرز قلة التعليم بوصفها عاملًا مهمًا لأنها تُضعف ما يسمى بالاحتياطي المعرفي. وفي منتصف العمر، تشمل العوامل ضعف السمع غير المعالج، وإصاباتُ الرأس مثل حادث والدي، ارتفاع ضغط الدم، وارتفاع الكوليسترول الضار، والسمنة، والإفراط في الكحول، والتدخين. أما في أواخر العمر، فتبرز عوامل مثل السكري، والخمول البدني، والاكتئاب، والعزلة الاجتماعية، وتلوث الهواء، وضعف البصر غير المعالج.

وما يلفت النظر أن كثيرًا من هذه العوامل، كالسكري، وضغط الدم المرتفع، والسمنة، والتدخين، منتشرة بكثرة في مجتمعاتنا. وباختصار: صحة القلب والأوعية هي صحة الدماغ.

كيف يبدأ الخرف؟ العلامات المبكرة

الخرف لا يبدأ غالبًا بانهيار مفاجئ، بل بإشارات خفية يسهل ردها إلى الكبر. والتمييز مهم: فنسيان اسم ثم تذكره لاحقًا أمر طبيعي، أما ما يستدعي الانتباه فهو فقدان الذاكرة القريبة بما يعطل الحياة اليوميّة، كتكرار الأسئلة، ونسيان أحداث وقعت لتوها. وقد يواجه الشخص صعوبة في التخطيط وحل المشكلات، أو في متابعة وصفة أو حساب مألوف، أو يتيه في أماكن وأوقات معروفة، أو يفقد الإحساس بالزمن. وقد تظهر كذلك صعوبة في إيجاد الكلمات أو متابعة الحديث، وضعف في الحكم على الأمور، واتخاذ قرارات غير معتادة، إلى جانب تغيرات في المزاج أو الشخصية، والانسحاب من العمل أو المناسبات الاجتماعية.

غير أن هذه العلامات ليست واحدة في كل الحالات؛ فبداية كل نوع من أنواع الخرف تختلف عن غيره.

أنواع الخرف: لماذا لا يكفي الاسم وحده؟

الخرف مصطلح جامع لأعراض تنجم عن أمراضٍ مختلفة، ولكل منها مساره الخاص [1].

وألزهايمر هو الأكثر شيوعًا، إذ يمثل نحو 60–70٪ من الحالات، وينجم عن تراكم بروتيني الأميلويد Amyloid والتاو Tau [7] . ويبدأ غالبًا بضعف الذاكرة القريبة قبل أن يمتد تدريجيًّا إلى وظائف إدراكيّة أخرى.

أما الخرف الوعائي، وهو ثاني أكثر الأنواع شيوعًا بعد ألزهايمر، فينتج عن تضرر تدفق الدم إلى الدماغ بسبب الجلطات أو اعتلال الأوعية الدموية الدقيقة [8]. وقد يتقدم أحيانًا على شكل درجات متتالية، ويظهر مبكرًا في بطء التفكير، وصعوبة التخطيط أكثر من النسيان.

ويتميز خرف أجسام ليوي بتذبذب الوعي واليقظة من يوم إلى آخر، وظهور هلاوس بصريّة، وأعراض تشبه الشلل الرعاش، واضطرابات في سلوك النوم. كما أن المصابين به يكونون شديدي الحساسية لبعض الأدوية المهدئة، مما يجعل دقة التشخيص أمرًا بالغ الأهمية [9].

أما الخرف الجبهي الصدغي، فيصيب غالبًا أشخاصًا في سن أصغر، ويبدأ بتغيرات في الشخصية، أو السلوك، أو اللغة، بينما تبقى الذاكرة سليمة نسبيًّا في المراحل الأولى [10].

ويشيع لدى كبار السن الخرف المختلط، حيث تجتمع أكثر من علة مرضية في الوقت نفسه [1]. ومن المهم كذلك معرفة أن بعض أسباب ضعف الذاكرة قد تكون قابلة للعلاج، مثل نقص فيتامين B12، أو قصور الغدة الدرقية، أو الاكتئاب، أو الآثار الجانبية لبعض الأدوية، أو استسقاء الدماغ ذي الضغط الطبيعي؛ ولهذا فإن التقييم الطبي الدقيق ضرورة وليس ترفًا.

كيف نُشخّص اليوم؟

يبدأ التشخيص بالإصغاء إلى قصة المريض وأسرته، ثم إجراء اختبارات معرفية بسيطة تقيس الذاكرة، والانتباه، والتفكير. وبعد ذلك تأتي أدوات أكثر دقة، من أهمها تحاليل الدم. ففي السادس عشر من مايو 2025، اعتُمد أول اختبار دم للكشف عن مرض ألزهايمر، يقيس نسبة بروتين p-tau217 إلى الأميلويد. ويعد هذا الاختبار بديلًا أبسط وأقل تكلفة، وقد يسهل التشخيص الأولي، خاصة في المناطق التي لا تتوافر فيها تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي أو التصوير البوزيتروني [11].

ويعد التصوير العصبيّ، وهو مجال تخصصي، جزءًا مهمًا من عملية التشخيص؛ إذ يكشف التصوير بالرنين المغناطيسي ضمور مناطق معينة من الدماغ، ويساعد على استبعاد الجلطات والأورام، بينما يُظهر التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET) ترسبات الأميلويد والتاو مباشرة [1,7]. وفي بعض الحالات، قد يُستخدم تحليل السائل النخاعي، الذي يقيس هذه البروتينات بدقة عالية، إلا أن إجراؤه قد لا يكون متاحًا أو مناسبًا لجميع المرضى.

والاتجاه العام اليوم هو تعريفُ المرض بيولوجيًّا لا بالأعراض وحدها، مع السعي إلى اكتشافه في مرحلة أبكر، وأحيانًا قبل ظهور الأعراض بسنوات.

 

التدخّل المبكر: ماذا نملك أن نفعل؟

هنا تكمن الرسالة الأهم. فالوقاية تبدأ في منتصف العمر لا في شيخوخته: ضبط السكري، وضغط الدم، والكوليسترول، والنشاط البدني المنتظم، والغذاء الصحي، والإقلاع عن التدخين، وتصحيح السمع والبصر، ومعالجة الاكتئاب، والحفاظ على التواصل الاجتماعي والنشاط الذهني، والنوم الكافي. كل واحدة من هذه الخطوات تقتطع جزءًا من الخطر التراكميّ [1].

أما بعد التشخيص، فقد ظهرت علاجات حديثة تتكون من أجسام مضادة وحيدة النسيلة تستهدف الأميلويد، تُبطئ تقدم ألزهايمر في مراحله المبكرة لدى من تأكدت لديهم العلامات البيولوجيّة [12,13]. وهي لا تُشفي ولا تعكس المرض، وأثرها متواضع، ولها مخاطرها مثل تورم أو نزيف دقيق في الدماغ، يستوجب متابعة بالتصوير المغناطيسي، لكنها تعمل في المراحل المبكرة، وهذا تحديدًا ما يجعل التشخيص المبكر بالغ الأهمية. ويضاف إلى ذلك إعادة التأهيل المعرفي، وتنظيم البيئة المنزلية لتقليل الارتباك، والتخطيط المبكر للحياة والرعاية بينما لا تزال قدرة المريض على اتخاذ القرار قائمة.

 

البُعد الإنساني

يبقى البعد الإنساني هو الأهم. ففي مجتمعاتنا، لا يزال الخرف محاطًا بوصمة تؤخر طلب المساعدة، وتُفسَّر أعراضه أحيانًا على أنها جزء طبيعي من التقدم بالعمر. وتقع الرعاية غالبًا على عاتق الأسرة، وعلى النساء خصوصًا اللواتي يقدمن نحو 70٪ من ساعات الرعاية للمصابين [1]، من دون سند كاف. إن بناء أنظمة صحية تدرب الأطباء، وتتيح عيادات الذاكرة، وتسند مقدمي الرعاية، وتنتج محتوى توعويًّا صادقًا بالعربية، لا يقل أهمية عن أي اكتشاف مخبري.

أكتب هذه الكلمات وأنا أحمل ذكرى والدي وجدتي. لم يكن بوسعنا تغيير جيناتهما، ولا منع ذلك الحادث. لكننا اليوم نملك ما لم نملكه بالأمس: فهمًا أعمق للأسباب، وأدوات أدق للتشخيص، وأدلة قوية على أن جزءًا كبيرًا من هذا المرض يمكن تأجيله أو تجنبه. لقد قدم لنا العلم المفاتيح؛ ويبقى علينا، أفرادًا ومجتمعات ونُظُمًا صحية، أن نحسن استخدامها.

المراجع: 

1. Livingston, G.; Huntley, J.; Liu, K.Y.; Costafreda, S.G.; Selbæk, G.; Alladi, S.; Ames, D.; Banerjee, S.; Burns, A.; Brayne, C.; et al. Dementia Prevention, Intervention, and Care: 2024 Report of the Lancet Standing Commission. The Lancet 2024, 404, 572–628, doi:10.1016/S0140-6736(24)01296-0.

2. Zhu, A.H.; Nir, T.M.; Gari, I.B.; Dixon, D.; Islam, T.; Villalon‐Reina, J.E.; Thompson, P.M.; Jahanshad, N. APOE4 Genotype Associations with Longitudinal Change in Hippocampal Microstructure. Alzheimer’s & Dementia 2022, 18, doi:10.1002/ALZ.066129.

3. Nir, T.M.; Nabulsi, L.; Lawrence, K.E.; Villalon-Reina, J.E.; Abaryan, Z.; Gari, I.B.; Zhu, A.H.; Haddad, E.; Muir, A.M.; Thompson, P.M.; et al. Effect of APOE4 and APOE2 Genotype on White Matter Microstructure. Alzheimer’s & Dementia 2021, 17, e053061, doi:10.1002/ALZ.053061.

4. Mohamed, A.Z.; Nestor, P.J.; Cumming, P.; Nasrallah, F.A. Traumatic Brain Injury Fast-Forwards Alzheimer’s Pathology: Evidence from Amyloid Positron Emission Tomorgraphy Imaging. J. Neurol. 2022, 269, 873–884, doi:10.1007/s00415-021-10669-5.

5. Dennis, E.L.; Vervoordt, S.; Adamson, M.M.; Houshang, A.; Bigler, E.D.; Caeyenberghs, K.; Cole, J.H.; Dams-O’Connor, K.; Deutscher, E.M.; Dobryakova, E.; et al. Accelerated Aging after Traumatic Brain Injury: An ENIGMA Multi-Cohort Mega-Analysis. Ann. Neurol. 2024, 96, 365–377, doi:10.1002/ANA.26952.

6. Mohamed, A.Z.; Cumming, P.; Nasrallah, F.A. White Matter Alterations Are Associated With Cognitive Dysfunction Decades After Moderate-to-Severe Traumatic Brain Injury and/or Posttraumatic Stress Disorder. Biol. Psychiatry Cogn. Neurosci. Neuroimaging 2021, 6, 1100–1109, doi:10.1016/j.bpsc.2021.04.014.

7. Jack, C.R.; Andrews, J.S.; Beach, T.G.; Buracchio, T.; Dunn, B.; Graf, A.; Hansson, O.; Ho, C.; Jagust, W.; McDade, E.; et al. Revised Criteria for Diagnosis and Staging of Alzheimer’s Disease: Alzheimer’s Association Workgroup. Alzheimers Dement. 2024, 20, 5143–5169, doi:10.1002/ALZ.13859.

8. Lennon, M.J.; Sachdev, P.S. Vascular Cognitive Impairment and Dementia: Prevention, Treatments, Mechanisms and Management Options for the Future. Neuropsychopharmacology 2026 2026, 1–14, doi:10.1038/s41386-026-02331-3.

9. Ratnavel, A.; Dino, F.R.; Jiang, C.; Azmy, S.; Wyman-Chick, K.A.; Bayram, E. Risk Factors and Predictors for Lewy Body Dementia: A Systematic Review. npj Dementia 2025 1:1 2025, 1, 20-, doi:10.1038/s44400-025-00022-2.

10. Urso, D.; Giannoni-Luza, S.; Brayne, C.; Ray, N.; Logroscino, G. Incidence and Prevalence of Frontotemporal Dementia: A Systematic Review and Meta-Analysis. JAMA Neurol. 2025, 82, 1144–1152, doi:10.1001/JAMANEUROL.2025.3307.

11. FDA Clears First Blood Test Used in Diagnosing Alzheimer’s Disease | FDA Available online: https://www.fda.gov/news-events/press-announcements/fda-clears-first-blood-test-used-diagnosing-alzheimers-disease (accessed on 9 June 2026).

12. Sims, J.R.; Zimmer, J.A.; Evans, C.D.; Lu, M.; Ardayfio, P.; Sparks, J.D.; Wessels, A.M.; Shcherbinin, S.; Wang, H.; Monkul Nery, E.S.; et al. Donanemab in Early Symptomatic Alzheimer Disease: The TRAILBLAZER-ALZ 2 Randomized Clinical Trial. JAMA 2023, 330, 512–527, doi:10.1001/JAMA.2023.13239.

13. Dyck, C.H. van; Swanson, C.J.; Aisen, P.; Bateman, R.J.; Chen, C.; Gee, M.; Kanekiyo, M.; Li, D.; Reyderman, L.; Cohen, S.; et al. Lecanemab in Early Alzheimer’s Disease. New England Journal of Medicine 2023, 22, 142–143, doi:10.1056/NEJMOA2212948.

اقتراح ومراجعة علمية
د/ عبدالله زين العابدين محمد
جامعة الإمارات العربية المتحدة
تدقيق ومراجعة لغوية
د/ عبدالله زين العابدين محمد
جامعة الإمارات العربية المتحدة
د/ أروى أحمد أبو جبل
جامعة أوكسفورد Oxford
علا نصر زيادة
جامعة القاهرة