عند بلوغ الربيع الخامس والأربعين، تُصبح فرص الإصابة بألزهايمر 10% بالنسبة للرجال و20% بالنسبة للنساء. وهذه ليست نسبًا ضئيلة البتة، فمن منظورٍ أوسع، تُشخَّص حالة جديدة بالخرف كل 3 ثوانٍ تقريبًا، ما يعني أن شخصًا قد يكون بدأ بالفعل رحلته مع المرض فور انتهاءك من قراءة هذه الفقرة.
ألزهايمر مرض موحش وقاسٍ للغاية، فهو لا يعبث بالذاكرة فقط، بل قد يسلب الإنسان قدرته على الأكل، أو الاستحمام، أو الكلام، أو التعرف على أبنائه، أو حتى الإحساس بالمكان والزمان. وقد يعاني المصاب هلاوس بصرية وسمعية خطيرة وقاسية، وقد يصل الأمر في كثيرٍ من الحالات للشك في أقرب الناس إليه، بل والاعتقاد بأنهم يحاولون قتله.
على الجانب الآخر، تتجرع أسرة المريض المعاناة يوميًّا، ليس فقط بسبب الجهد المُضني الذي يُبذَل في سبيل رعايته، وإنما أيضًا للعبء النفسي الهائل الذي يرافق هذه الرحلة. فأسرة المريض لا تفقده يوم وفاته فقط، بل تبدأ في فقدانه منذ لحظة إصابته بهذا المرض الذي ما زلنا نعجز عن علاجه حتى يومنا هذا.
أعراض ألزهايمر
غالبًا ما يبدأ المرض بنسيان متكرر، خاصة للأحداث القريبة، ثم تظهر صعوبات في التركيز، وإدارة المال أو المواعيد، والعثور على الكلمات المناسبة، والتوهان في أماكن مألوفة. ومع تقدم المرض، قد تظهر تغيّرات في الشخصية والسلوك، مثل القلق، والشك، والعصبية، والانسحاب الاجتماعي، واضطرابات النوم، وأحيانًا الهلاوس. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن تغيّرات المزاج والسلوك قد تظهر حتى قبل أن تصبح مشكلات الذاكرة واضحة.
عندما تصبح الابنة أمًا لأمها
ولأن ألزهايمر أعقد من أن تفسّره المعرفة العلمية وحدها، تحدثنا إلى السيدة منى صقر، التي رافقت والدتها المصابة به حتى وفاتها، في محاولة لفهم الوجه الآخر لهذا المرض؛ ذلك الوجه الذي لا يتجلّى تمامًا إلا لمن خاض التجربة أو رافق من عاشها.
منذ اللحظة الأولى للتشخيص، ظهرت مجموعة من الأسئلة المصبوغة بالشعور بالذنب.
تتذكر منى، مع حفظ الألقاب، أنها أمضت فترة طويلة تُعاتب نفسها لأنها لم تلتفت إلى العلامات المبكرة، وتتساءل إن كانت تستطيع فعل شيء مختلف لو انتبهت في وقت أبكر. دفعها ذلك إلى إعادة ترتيب حياتها بالكامل لتكون أقرب إلى والدتها، حتى انعكس الأمر على صحتها النفسية، ودفعها إلى طلب المساعدة المتخصصة لمواجهة الاكتئاب الذي صاحبها في بداية الرحلة.
لكن ما اكتشفته لاحقًا هو أن المرض لا يبدأ دائمًا بالنسيان، كما يتخيل معظم الناس.
عندما يختبئ المرض خلف تفاصيل صغيرة
في المراحل الأولى، لم يكن التدهور واضحًا أو مثيرًا للقلق. كانت والدة منى ما تزال قادرة على استحضار ذكريات الماضي البعيد بدقة مدهشة، فتسرد أحداثًا وقعت قبل عقود وكأنها حدثت بالأمس. لكن في المقابل، كانت تنسى الأحداث الجديدة بسرعة ملحوظة.
تقول منى إن الأمر بدا وكأن الذاكرة الحديثة تتآكل تدريجيًّا بينما تبقى الذكريات القديمة صامدة لبعض الوقت. كانت والدتها تنسى أماكن الأشياء، وما حدث قبل ساعات، لكنها تتذكر تفاصيل حياة مضى عليها عشرات السنين.
وهذه الظاهرة ليست غريبة طبيًّا، إذ يُعرف عن ألزهايمر أنه يصيب الذاكرة قصيرة المدى أولًا، قبل أن يمتد تدريجيًّا إلى أجزاء أخرى من الذاكرة والوظائف الإدراكيّة.
ألزهايمر لا يسرق الذكريات فقط
واحدة من أكثر الأفكار الخاطئة شيوعًا هي اختزال ألزهايمر في كونه "مرض نسيان". لكن تجربة منى تكشف جانبًا مختلفًا من الصورة.
فبحسب روايتها، بدأت تغيرات الشخصية والسلوك قبل أن يصبح النسيان واضحًا بشكل كامل. تحولت والدتها تدريجيًّا إلى شخص أكثر انطواءً وأقل رغبة في التواصل مع الآخرين. كما ظهرت لديها مشاعر خوف وشك مبالغ فيها، حتى إنها كانت تخشى من المحيطين بها أحيانًا وتتصرف وكأن هناك من يتربص بها أو يريد إيذاءها.
وتؤكد منى أن هذه التغيرات كانت من العلامات التي لم تنتبه إليها الأسرة في البداية، رغم أنها كانت جزءًا من المرض نفسه.
الانسحاب من العالم
مع تقدم الحالة، بدأت دائرة التواصل تضيق شيئًا فشيئًا.
فالأم التي اعتادت الحديث مع الجيران، والأصدقاء، وأفراد العائلة، أصبحت تفضل العزلة، وقلّت استجابتها للكلام، وأصبح التواصل معها أكثر صعوبة. لم يكن الأمر مجرد رغبة في الوحدة، بل بدا وكأن المرض يبني جدارًا تدريجيًا بينها وبين العالم.
وتصف منى هذه المرحلة بأنها من أكثر المراحل إيلامًا، لأن الأسرة تشاهد الشخص الذي تحبه وهو يبتعد عنها ببطء، دون أن تملك وسيلة حقيقية لإيقاف ذلك.
اللحظة التي أدركت فيها أن المرض يتقدم
لكل أسرة تعيش مع ألزهايمر لحظة بعينها تدرك خلالها أن المرض لم يعد مجرد تشخيص على ورقة.
بالنسبة إلى منى، ارتبطت تلك اللحظة بضفيرة شعر.
فقد اعتادت والدتها لسنوات طويلة أن تضفر لها شعرها. كان ذلك طقسًا يوميًّا بسيطًا لا يحتاج إلى تفكير. لكن في إحدى المرات، جلست أمامها كالمعتاد، لتفاجأ بأن والدتها لم تعد تتذكر كيف تضفر الشعر.
تقول منى: "من أكثر المواقف التي شعرت فيها بأن المرض يتطور كان موقف شخصي للغاية؛ حيث كانت والدتي تأتي إليّ باستمرار، أو أذهب أنا إليها، وكانت دائمًا تقوم بتضفير شعري، لكنني لاحظت مع الوقت أنها بدأت تنسى الطريقة. وفي إحدى المرات جلست أمامها، فوجدتها قد نسيت تمامًا الطريقة التي كانت تعرفها جيدًا. عندها أدركت أن المرض قد تطور بالفعل."
وأردفت: "قد يبدو هذا الأمر بسيطًا أو عاديًّا بالنسبة إلى بعض الناس، لكنه بالنسبة إلي كان مؤلمًا جدًا. وبعد ذلك بدأت والدتي تنسى الأسماء، حتى اسمي أنا، وأصبحت تنسى أشياء كثيرة أخرى."
ولم يقتصر الأمر على ضفيرة شعر؛ فمع مرور الوقت، بدأت الأسماء تختفي هي الأخرى، حتى اسم ابنتها لم يعد حاضرًا في ذاكرتها.
الروتين اليومي مع المرض
مع تطور المرض، أصبحت منى موظفةً بدوامٍ كامل لدى والدتها، وكانت تفعل ذلك بكل حب.
تقول منى إن معظم يومها أصبح مكرسًا لوالدتها؛ من الطعام، والملابس، والنظافة الشخصية، والأدوية، والحركة، ومحاولة الترفيه عنها، فكلها أمور تحتاج إلى متابعة مستمرة.
وتوضح أن أبسط المهام قد تستغرق وقتًا طويلًا جدًا، فإقناع المريض بتناول الطعام أو الدواء ليس أمرًا مضمونًا دائمًا، بل يرتبط بحالته النفسية واستجابته في تلك اللحظة.
وهنا يتحول الوقت نفسه إلى مفهوم مختلف، إذ يصبح يوم مقدم الرعاية مرتبطًا بالكامل بمقتضيات المرض واحتياجات المريض.
ولا تتوقف مسئولية مقدم الرعاية عند تقديم الطعام والدواء، بل تمتد أحيانًا إلى حماية المريض من نفسه.
توضح منى أن المريض قد ينسى مخاطر أشياء بسيطة جدًا، لذلك يصبح من الضروري تأمين المنزل بالكامل. فالأبواب والنوافذ والشرفات تحتاج إلى مراقبة، والمطبخ والأجهزة الكهربائية والسكاكين قد تتحول إلى مصادر خطر حقيقية.
وتروي حادثة طريفة ومؤلمة في الوقت نفسه، حين وضعت والدتها جميع الأدوية داخل مبرد المياه، لتشرب الأسرة منه لاحقًا دون أن تدرك ما حدث!
مثل هذه المواقف، على غرابتها، تُظهر حجم اليقظة التي يتطلبها التعامل مع المرض يومًا بعد يوم.
الحفاظ على الكرامة وسط النسيان
رغم أن المرض يسلب الإنسان الكثير من قدراته، ترى منى أن أهم ما يحتاج إليه المريض هو الحفاظ على كرامته.
فعندما كانت والدتها تقول إن هذا ليس بيتها، أو تنكر أشياء يعرف الجميع حقيقتها، لم تكن تلجأ إلى الجدال أو التصحيح القاسي، بل كانت تحاول تهدئة الموقف بالمزاح، أو تغيير الموضوع، أو تحويله إلى لحظة أخف وطأة.
وتقول إن أكثر ما كانت تحرص عليه هو ألا تشعر والدتها بالخجل بسبب النسيان، لأن المريض، حتى وإن لم يستطع التعبير عن ذلك دائمًا، يبقى إنسانًا لديه مشاعر، وإحساسًا بالكرامة.
"بيقولوا عليا إني بنسى"
لكن ربما كانت أكثر اللحظات وجعًا هي تلك التي بدا فيها أن والدتها تدرك شيئًا من حقيقة ما يحدث لها. ففي بعض زيارات الأطباء، كانت تلتفت إليهم وتقول: "بيقولوا عليا إني بنسى".
جملة قصيرة، لكنها كانت تكشف عن لحظة وعي مؤلمة وسط ضباب المرض؛ لحظة يدرك فيها الإنسان أن شيئًا ما يتغير داخله، دون أن يملك القدرة على إيقافه أو حتى فهمه بالكامل.
"كانت أمي وأصبحت ابنتي"
حين سألنا منى عن أكثر ما تغير خلال الرحلة، لم تحتاج إلى شرح طويل. فقط أجابت بجملة واحدة: "كانت أمي وأصبحت ابنتي."
وربما تختصر هذه العبارة جوهر تجربة الرعاية كلها.
فالأدوار تنعكس تمامًا؛ الشخص الذي كان يحمي، ويطمئن، ويعتني بالآخرين يصبح هو من يحتاج إلى الحماية، والطمأنينة، والرعاية. وتتحول العلاقة من أمومة اعتادها الأبناء إلى مسئولية جديدة لم يتخيلوا يومًا أنهم سيحملونها.
بين الفقد والذاكرة
ورغم كل ما سرقه المرض، بقيت هناك لحظات صغيرة تقاوم النسيان.
تتذكر منى أن والدتها كانت تناديها كثيرًا بأسماء أخرى، لكنها في إحدى المرات نادتها فجأة باسمها الصحيح. لم تصدق ما سمعته، فسألتها: "أنا مين؟"
فأجابت الأم ببساطة:
"إنتِ حبيبتي."
تقول منى إنها احتضنتها في تلك اللحظة دون أن تنبس ببنت شفة، ربما لأن الموقف كان أثمن من أن يُرَد عليه بكلمات.
تُخصص أستاذة منى حسابها على تيك توك للتوعية بألزهايمر ومشاركة تجربتها مع العامة. لمتابعة الحساب يُرجى الضغط على الرابط التالي:
https://www.tiktok.com/@alzheimers_friend
المصادر:
https://www.alz.org/alzheimers-dementia/facts-figures
https://www.who.int/health-topics/dementia
https://www.alz.org/alzheimers-dementia/research-and-progress/milestones