هل تتخيل شحن هاتفك في 45 ثانية؟ بطاريات الليثيوم-أيون القائمة على مادة Nb16W5O55 لشحن فائق السرعة
20 يوليو 2026

يشهد الطلب العالمي على بطاريات أيونات الليثيوم (Lithium-ion Batteries) نموًا متسارعًا مع انتشار المركبات الكهربائية والأجهزة المحمولة، مما جعل سرعة الشحن (Fast Charging) أحد أبرز التحديات التقنية في علم المواد وعلوم الطاقة. فعلى الرغم من التطور الكبير في تصميم الأقطاب الكهربية (١)، ما تزال القدرة على شحن البطارية خلال دقائق محدودة بعوامل مرتبطة بانتقال وانتشار أيونات الليثيوم داخل البنية البلورية للمواد.

وتعتمد الأقطاب السالبة في البطاريات التقليدية غالبًا على مواد مثل الجرافيت  (Graphite)، كما يجري تطوير مواد قائمة على السيليكون (Silicon) نظرًا لسعتها التخزينية العالية. إلا أن هذه المواد تواجه تحديات عند معدلات الشحن المرتفعة، مثل تكوّن ترسبات وتشجرات الليثيوم (Dendrites) وتدهور البنية الميكانيكية، مما يحد من سرعة الشحن وعمر البطارية. أما سرعة الشحن فتقاس عادة بمقياس Capacity Rate أو اختصارًا C-Rate، وهو ما يعني أن 1C تناظر شحن السعة الكاملة للبطارية في ساعة واحدة فقط. ولزيادة معدلات الشحن إلى قيم عالية من C-Rate، اتجهت الأبحاث الحديثة إلى استكشاف مواد بديلة من أكاسيد الفلزات قادرة على تسهيل انتقال أيونات الليثيوم. إضافة إلى ذلك، يبرز معيار آخر في تقييم جودة البطاريات، وهو تحقيق استقرار أفضل للبطاريات أثناء التشغيل.

في هذا السياق، برزت عائلة أكاسيد النيوبيوم-تنجستن (NbWO)، ولا سيما البنى المعروفة بهيكل وادسلي-روث (Wadsley-Roth structure)، بوصفها بديلًا واعدًا للأقطاب السالبة، نظرًا لقدرتها المميزة على السماح لانتقال أيونات الليثيوم بشكل أكثر حرية وهو ما يحد من ترسب تشجرات الليثيوم. هذا أدى إلى تحقيق معدلات شحن مرتفعة تصل إلى 20C (أي شحن كامل للبطارية في حوالي 3 دقائق فقط). إضافة إلى ذلك، فإن هذه البنى يمكنها العمل ضمن نطاق جهد آمن يحد من تحلل الكَهرل (Electrolyte)، مما يحقق استقرارًا أكبر للبطارية.

بالرغم من كل هذه المميزات، إلا أن سعتها التخزينية تنهار عند معدلات الشحن العالية. وظلت هذه المشكلة قائمة نظرًا لمحدودية الفهم الحالي لآليات تخزين الليثيوم وتأثير التشوهات البلورية للمادة أثناء التشغيل. 

ولهذا، فإن الطموح العلمي متمثلًا في الوصول إلى شحن كامل خلال أقل من دقيقة واحدة (معدلات شحن فائقة 60C-80C) يتطلب فهمًا أعمق لآليات التخزين وانتقال الأيونات على المستوى الذري، الأمر الذي يجعل دراسة العلاقة بين البنية الذرية لأكاسيد النيوبيوم-تنجستن وحركية الأيونات خطوة أساسية نحو تطوير بطاريات أسرع وأكثر استقرارًا.

السؤال: ما سبب انخفاض السعة التخزينية لبطاريات أكاسيد النيوبيوم تنجستن عند معدلات الشحن العالية؟

على الرغم من الأداء الواعد لمادة Nb16W5O55، إلا أنها تفقد معظم سعتها عند رفع معدلات الشحن إلى 60C (شحن في دقيقة واحدة)، حيث تنخفض السعة إلى أقل من 50 مللي أمبير-ساعة لكل جرام. لمعرفة ذلك، اتجه الباحثون إلى إعادة صياغة السؤال على مستوى أكثر عمقًا ليصبح: ما العلاقة بين البنية الذرية للمادة وحركة أيونات الليثيوم بداخلها؟ 

المنهجية المتبعة: نهج متكامل من التصوير الذري إلى الذكاء الاصطناعي


اعتمد الفريق البحثي على استراتيجية متعددة المحاور، للإجابة على هذا السؤال الجوهري الذي طرحوه في البحث. 

بدأ الأمر بالتصوير المجهري المتقدم، حيث اُستخدم المجهر الإلكتروني النافذ الماسح STEM، وهو من نوع خاص يسمح بمراقبة التفاعل الكيميائي أثناء حدوثه in situ. هذا يسمح بتصوير حركة أيونات الليثيوم داخل الأنفاق البلورية لمادة Nb16W5O55 في الوقت الفعلي. أتاحت هذه التقنية رؤية دقيقة لمواقع الليثيوم، وكذلك مراقبة التغيرات الهيكلية البنيوية التي تحدث أثناء الشحن السريع.

وتبين لاحقًا للباحثين أن أيونات الليثيوم تفضل الولوج الى داخل أقطاب أكاسيد النيوبوم-تنجستن عبر مسارات وأنفاق مفضلة. وللتبسيط فإنه يمكننا تخيل هذه الأقطاب على هيئة أسطوانة. تفضل أيونات الليثيوم التحرك عبر حافتي هذه الأسطوانة. ولكن تكمن المشكلة في أن هذه الحواف تمثل جزءًا صغيرًا بالمقارنة بالأسطح الجانبية لها، والأخيرة تعيق الحركة الحرة لأيونات الليثيوم بسبب التشوهات البنيوية المعتادة لهذه المواد. لذا اتجه فريق العمل إلى البحث عن مادة تطلى بها هذه الأقطاب بحيث تجذب أيونات الليثيوم وتعيد توجيهها حول القطب بحيث تتمكن من الوصول إلى المسارات المفضلة خلاله.

ولاختيار الطلاء المناسب، لجأ الباحثون إلى الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي حيث استخدموا نموذج ACGNet لفحص قاعدة بيانات هائلة تضم 83,989 مادة، مع تطبيق معايير صارمة شملت موصلية إلكترونية تفوق الألف سيمنز/سنتيمتر (S/cm)، وموصلية أيونية تتجاوز واحد من المليون سيمنز/سنتيمتر، بالإضافة إلى جهد أكسدة يتجاوز 4 فولت لضمان الاستقرار الكهروكيميائي.

أدى هذا الفحص الذكي إلى اختيار أكسيد الجرافين المختزل (Reduced Graphene Oxide-rGO) كمادة مثالية للطلاء. كما طُورت تقنيةٌ لطلاء جزيئات Nb16W5O55 بطبقة رقيقة جدًا من هذه الأكاسيد (حوالي  0.5% فقط من الوزن الكلي) بعد معالجة المادة ببلازما الهيدروجين. وهو ما أوجد تلامسًا وثيقًا بين المادتين وحسّن نقل الأيونات بشكل ملحوظ.

كما صاحبت التجارب الحسابات المعتمدة على نظرية الكثافة الوظيفية (DFT) لمحاكاة حواجز الطاقة وتحليل مسارات انتشار أيونات الليثيوم. وقد فسرت هذه الحسابات النتائج السابقة، حيث أظهرت أن طبقة rGO تمتلك حاجزَ طاقة أقل بكثير مقارنة بالهيكل الداخلي للمادة، مما يجعلها قادرة على جمع الأيونات وتوجيهها بكفاءة عالية.

استقرار فائق وشحن فائق السرعة

أسفر هذا النهج المتكامل عن نتائج غيرت بعض المفاهيم التقليدية المتعلقة باستقرار المواد.

فقد اكتشف الباحثون حدوث ظاهرة الاسترخاء الشبكي (Lattice relaxation) اعتمادًا على معدل الشحن، حيث يحفز الشحن السريع جدًا عملية استرخاء في الشبكة البلورية مرتبطة بتأثير يان-تيلر(Jahn-Teller effect). فعند معدلات الشحن العالية، تميل أيونات الليثيوم إلى شغل مواقع بلورية عشوائية بدلاً من المواقع ذات الطاقة الأدنى الأكثر استقرارًا، وهو ما يُقلل من التشوهات الهيكلية ويسهل تدفق الأيونات وانتشارها. وفي مفارقة مثيرة، أظهرت الدراسة أن معدلات الشحن البطيئة (0.1C) تسبب تشوهات أكثر حدة قد تؤثر سلبًا على استقرار الهيكل على المدى الطويل.

كما نجحت طبقة rGO في تذليل عقبة التباين بين الأسطح الجانبية والحواف للأقطاب في تمرير أيونات الليثيوم، إذ تعمل هذه الطبقة كـمصيدة أيونات فعالة. فهي تجمع أيونات الليثيوم المنزوعة من غلافها المذيب وتعيد توجيهها بكفاءة نحو فتحات الأنفاق البلورية، مما يلغي تأثير الأسطح المعيقة التي كانت تحول دون الانتشار الفعال لأيونات الليثيوم.

أما على مستوى الأداء، فقد سجلت المادة المطورة أرقامًا قياسيةً. حققت سعة تصل إلى 116 مللي أمبير- ساعة لكل جرام عند معدل 80C (أي شحن كامل في 45 ثانية فقط)، وهو تحسن هائل مقارنة بمادة Nb16W5O55 غير المعالجة. كما ارتفعت التوصيلية الإلكترونية إلى 0.55 سيمنز/سنتيمتر، وهي قيمة تفوق توصيلية المادة الأصلية بمراحل عدة.

على صعيد الاستقرار الدوري، حافظت المادة على 92.7% من سعتها الأولية بعد 500 دورة عند معدل 10C. وفي الاختبارات العملية على خلايا ليثيوم-أيون الكيسية التجريبية  (Pouch cells)، أظهرت البطارية أداءً استثنائيًّا، إذ حافظت على 96%  من سعتها بعد 100 دورة شحن سريع، واستمرت في الاحتفاظ بنسبة 77% من سعتها حتى بعد 500 دورة شحن سريع بمعدل 5C، مما يعكس تحسنًا كبيرًا في الاستقرار طويل الأمد.

ماذا بعد؟

يوضح هذا البحث أن تحسين الشحن السريع لا يعتمد فقط على تصميم مواد جديدة، بل على فهم التفاعل الديناميكي بين البنية البلورية وحركة الأيونات أثناء التشغيل. إذ كشفت الدراسة أن التحكم في الواجهات النانوية وهندسة السطح يمكن أن يغيّر آلية انتشار الليثيوم نفسها، مما يسمح بأداء أفضل عند معدلات شحن مرتفعة.

وتفتح هذه النتائج المجال أمام تصميم أقطاب كهربية تعتمد على هندسة الأسطح الفاصلة بين المواد عن طريق التعلم الآلي، وهو اتجاه قد يسهم مستقبلًا في تطوير بطاريات تُشحن خلال دقائق مع الحفاظ على عمر تشغيلي طويل، وهو هدف رئيس لتقنيات الطاقة القادمة. 

على الهامش

قطب البطارية: تتكون البطارية من قطبين سالب وموجب، بالإضافة إلى وسط تتحرك فيه الأيونات.

اقتراح ومراجعة علمية
د/ أحمد بركات
جامعة ميونيخ التقنية، وكلية الهندسة بجامعة عين شمس
تدقيق ومراجعة لغوية
د/ مصطفى الغريب
Sorbonne Paris Nord جامعة
د/ أحمد بركات
جامعة ميونيخ التقنية، وكلية الهندسة بجامعة عين شمس
علا نصر زيادة
جامعة القاهرة